سياحة في “الفُلك المَشحون” (2)
على غير ما يُوحي به عنوان كتاب “الفُلك المَشحون بالمُعرَب والمَلحون”، حيث كلمة المُعرَب قبل كلمة الملحون، فإن فصل “المُعرَب” (اللغة العربية الفصيحة)
المُعرُب.. تاريخٌ وجغرافيا وأشعار
تضمّن فصلُ
“المُعرَب” مجموعة من الأجزاء، منها جزءُ “الحكايات والنَوادر” الذي تضمّن موضوعات
مثل: “إكرام ثلاثة أصدقاء”، و”المرأة وزوجها”، و”الملك والمجنون”، و”في المكر والبخل”،
و”الوزير الحاسد”، والحاج والوديعة”. ثم يأتي جزءُ التاريخ وتضمّن موضوعات مثل: “سيرة
النبي عليه الصلاة والسلام”، و”ذكر الخلفاء الراشدين”، و”ذكر فتح إفريقية”، و”دولة
الأمويين”، و”فتح الأندلس”، و”دولة العباسيين”. وفي جزء الجغرافيا، نقرأُ موضوعات مثل:
“علم الجغرافية وتقسيمه”، و”آثار أسية” وتضمن أحاديث عن بعض المدن منها: أنطاكية وبعلبك
وبيت المقدس وبيروت ودمشق. ثم جزءٌ عن “أوروبا” تضمّن موضوعات مثل: “إفرنجة”، و”باريس”،
و”بلنسية”، و”صقليّة”. وجزءٌ آخر حول “آثار إفريقيا” وتضمّن موضوعات مثل: “الإسكندرية”،
و”تونس”، و”سفاقس”، و”بلاد الجزائر”، و”قسنطينة”، و”وهران”، و”تلمسان”. وخصّصَ المؤلّف
جزءًا عنوانه “في أشعار وألغاز مختلفة”. ثم أنهَى المُؤلّف كتابه بوضع فهرس للموضوعات.
لا أثَرَ للكاتب في كتابه
لا يتضمّن
كتاب “الفُلك المَشحون بالمُعرَب والمَلحون” أيّ بصمات إبداعية للمؤلّف “عبد الرحمان
مُحمّد”، فكل الموضوعات هي مُختارات من كُتب التراث العربي والإسلامي أو من الكتب والمجلاّت،
مثل مجلة “المجلاّت العربية”، التي نُشرت في عصره. ومن أمثلة كتب التراث العربي والإسلامي
التي نقَل عنها المُؤلّف نذكر: الجاحظ، وابن الأثير، والمسعودي، والإبشيهي، وأبو الفداء،
والقزويني، وفخر الدين الرازي، والإدريسي.. ونُشير إلى أن المُؤّلف ضمّن نصوصا كاملة
أو قام بتلخيص بعض الأجزاء من الكتب بما يوافقُ موضوعه، فنجد أنه اختزل سيرة النبي
صلى الله عليه وسلّم (المولد والهجرة والغزوات)، وسيرة الخلفاء الراشدين، في حوالي
27 صفحة، واعتمد على عدد من كتب السيرة، وهذا أمرٌ يستلزم الكثير من الجهد والقدرة
على التركيز. كما نُشير أنه لمّا تحدّث عن فتح إفريقية (يُقصَد بها تونس أو المغرب
العربي عموما)، فقد أورّد هذا العنوان: “ذكر تخريب إفريقية وقتل الكاهنة”، ولم نجد
مظهرًا للتخريب المقصود، إلاّ أن يكون قتل الكاهنة وانتشار الإسلام في المغرب العربي
هو التخريبُ المقصود.
مَحوُ دُول من التاريخ الإسلامي
من الملاحظات
المُهمَّة التي يجدها القارئ في الجزء الخاص بالتاريخ، في كتاب “الفُلك المَشحون بالمُعرَب
والمَلحون”، أن المُؤلّف تنقّل عبر محطّات التاريخ الإسلامي من زمن الرسول صلى الله
عليه وسلم، ثم الدولة الأموية، ومن الدولة العباسية انتقل مباشرة إلى هذا العنوان:
“انتقال الخلافة إلى آل عثمان”، دون أن يذكر دُوَل: الفاطميين والأيوبيين والمماليك.
ويُمكن اعتبار ذلك العنوان مُغالطًا فـ “آل عثمان” ليست تعبيرا شائعا ومتداولا في كتب
التاريخ حول العثمانيين والدولة أو الخلافة العثمانية، إضافةً إلى أن النص الذي جاء
تحت العنوان قصيرٌ بالقياس إلى الدول الإسلامية التي تحدّث عنها سابقا، حيث قال: “فتح
السلطان سليم مصرَ سنة 923 ومكث بها ثمانية شهور، وكان ذلك في عهد طومان باي، والخليفة
يومئذ (المتوكل على الله العباس)، فخلع نفسه وتنازل عن الخلافة لآل عثمان، ومن يومها
صارت الخلافة الإسلامية محصورة في سلالة ملوك الدولة العَليَّة أبدية القرار”، ونترك
للقارئ أن يُدرك معنى العبارة الأخيرة من النص، أو على الأقل ما الذي يُمكن أن يفهمه
تلميذٌ في مدرسة أو طالبٌ في ثانوية، طالما أن الكتاب كان مدرسيًا؟
المعنى للجزائريين والحديثُ عن مصر
بعد عنوان
“انتقال الخلافة إلى آل عثمان”، وضع المُؤلّف عنوانا آخر: “احتلال فرنسا لمصر”، وجاء
تحت هذا النص القصير “دخلت العساكرُ الفرنساوية الدّيارَ المصرية في المحرّم سنة
1213 هجرية، ولم تمكث بها سوى ثلاث سنين”. وقد أشار المؤلّف بأنه أخذ النَّصين السابقين
حول آل عثمان واحتلال مصر من مجلة “المجلاّت العربية” (لم يُسعفنا البحث في الوصول
إلى أيّ عدد من هذه المجلة). ومن البديهي أن يتساءل القارئ في هذا السياق: إذا كان
الكتابُ مُوجّهٌ إلى الجزائريين، فلماذا تحدّث الكاتب عن “آل عثمان” في مصر ولم يتحدّث
عن الدولة الجزائرية تحت الحكم العثماني، كما أنّه تحدّث عن احتلال فرنسا لمصر ولم
يتحدّث عن احتلال فرنسا للجزائر؟ ثم ما الذي يفهمه تلميذٌ جزائري، في المدارس الجزائرية
آنذاك، من أن “الخلافة الإسلامية محصورة في سلالة ملوك الدولة العلية أبدية القرار”،
وأن فرنسا لم تمكث سوى ثلاث سنين في مصر؟
القراءة المُوجّهة لـ “تخدير” التلاميذ
تتجلّى الأجوبةُ
واضحةً من خلال السياق العام للكتاب، فهو مدرسيٌ وموجّهٌ للتلاميذ، وهو مجموعة مختارات
من كتب التراث العربي والإسلامي، بمعنى أنه بمثابة قراءة مُوجّهة، ولسنا ندري إن كانت
موضوعات الكتاب مُرتبطة بالمناهج الدراسية وموادها التعليمية، أو هي موضوعاتٌ حرّةٌ
من اختيار المؤلّف؟ ثم أن الكاتب، في قسم الجغرافيا، اكتفى بوصف المدن التي تحدّث عنها
في قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا، ولكنه حينما تحدّث عن “باريس” قال: “هذه باريس تحفة
الدنيا ونزهة العالم وزهرة الكون. هذه باريس جنّة الجنائن ومدينة المدائن وعاصمة العواصم..
هذه باريس معدنُ العلوم ومركز دائرة العرفان في هذا الزمان”. ونُشير أنه تحدّث عن
“بلاد الجزائر” وقال بأنها بلادُ كثيرةُ الجبال وعدد سكّانها أربعة ملايين ساكن، ثم
وصف طبيعتها الجغرافية، وكذلك فَعَل مع مُدن: قسنطينة ووهران وتلمسان. ونعتقد أن هناك
تَأثيرا نفسيا على التلميذ والطالب، فالحديث عن باريس يُشعر القارئ بأنها الحاضرُ والمستقبل
وهي “عاصمة العواصم”، بينما الحديث عن الجزائر، يُشعرُ القارئ بأنها مجرد جغرافيا ينتشر
عليها الناس، تنتمي إلى الماضي ولا يربُطها بالحضارة أيّ روابط.
مُجرّد رؤية
يُمكننا أن
نستخلص ممّا سبق بأن كثيرا من أجزاء الكتاب كانت مجرّد “حشو” ربما للإمتاع والتشويق،
بينما “الرسالة” الفعلية كانت مرتبطة بترغيب التلاميذ في فرنسا وتصويرها بأنها حاملٌ
للحضارة والمدنية والرقي. واشتمال الكتاب على اختصار للتاريخ الإسلامي هو محاولة لوضع
عقل التلميذ الجزائري أمام مقارنة بين فرنسا التي مثّلت الحاضر المزدهر، وبين الدول
الإسلامية التي مثّلت الماضي المُتخلّف. وقد نكون مخطئين في هذه الرؤية، ولكننا نُسجّلها،
لأن هناك دراسة، حول كتاب “الفُلك المَشحون بالمُعرَب والمَلحون” في إحدى المجلات العربية،
رأت بأن المُؤلّف كان حياديا وموضوعيًا، وكتابه كان في خدمة الرسالة التعليمية في المدارس
والمعاهد الفرنسية آنذاك.

ليست هناك تعليقات