Header Ads

أحمد وهبي ...المجاهد الأسطورة من دفاتر فرسان و حرائر الجزائر بقلم الزهرة برياح

 


ولد المجاهد النجم والفنان الأنيق أحمد وهبي واسمه الحقيقي أحمد دريش التيجاني يوم 15 نوفمبر 1921 بمرسيليا بفرنسا من أب جزائري وأم فرنسية من أصول إيطالية.

 فقد المرحوم والدته وهو رضيعا ليحتضنه بيت جدّه حيث نشأ وتربى هو وأخته في كنف الحي العريق  المدينة الجديدة بوهران، هذه المنطقة التي شهدت صبى العملاق الذي ولد عملاقا ومات عملاقا، كان والده مؤذنا بإحدى مساجد الباهية وكان لصوته تأثيرا كبيرا على وهبي الطفل الذي فطم على التميز والهدوء والرزانة وما كان ذلك إلا تكوينا صحيحا لفنان كبير لم يكن يخطر ببال أحد .

بداية اهتمام المرحوم أحمد وهبي بالموسيقى كانت ضمن صفوف الكشافة الإسلامية الجزائرية فرع ''النجاح'' الذي أسس بوهران سنة 1937 حيث كان عضوا فيها إلى جانب كل من الراحل حمو بوتليليس وقادة مازوني، هناك أدى الأناشيد الوطنية، وبدأ يشق طريقه بصبر وثبات نحو التألق معتمدا منذ البداية على الأصل وهو الشعر الملحون. 

التحق سنة 1947 بمعهد الموسيقى في باريس وهناك تشبّع بروائع الموسيقى العالمية علما وأنه نمى طاقته وموهبته الفنية، قبلها سنة 1942 حين شارك في الغناء مع الفرقة التي كان يقودها الفنان المرحوم بلاوي الهواري بأغنية '' ناداني قلبي'' للموسيقار محمد عبد الوهاب، وبدأ يواصل طريق الغناء مع المرحوم عبد القادر الخالدي الذي إلتقاه في نهاية الأربعينيات وأصبح كاتب كلماته الأول وهكذا دخل الفنان إلى عالم الاحترافية ليصبح الصوت الجزائري المتميز دون أي منازع حيث ذاع صيته إلى أبعد الحدود وسرق كل الأضواء بجملة أغانيه الطربية الرائعة.

وهران وهران ... رحت خسارة 

جاءت انطلاق وهبي الفعلية في مجال الطرب والتلحين مع أول أسطوانة سجلها من تلحينه بعنوان ''كروان الليل'' سنة 1949 هناك ظهرت عبقريته الفنية وتواصلت بجملة من المحطات المهنية التي ميّزت حياة النجم. بعدها جاءت الأغنية الشهيرة التي أعادتها ولا تزال تعيدها الكثير من الأصوات الشابة وهران وهران رحت خسارة التي سٌجلت مع شركة وهران، الأغنية يقص فيها وهبي تجربة أبيه مع الغربة بتفاصيل تأثر بها كل مغترب ولا تزال الأغنية تلقى نفس الصدى الذي لقته في الخمسينيات في هذه الفترة حيث لحن المرحوم أجمل أعماله على الإطلاق مثل علاش تلوموني ويا طويل الرڤبة والغزال... وهذا بالتعامل مع الفنان الراحل عبد القادر الخالدي الذي أمده بأجمل نصوصه التي بقيت تخلد كل من العملاقين.

أعماله القيمة سمحت لوهبي أن يكون عميدا للأغنية الوهرانية التي تميزت بغناء نصوص شعراء الملحون بألحان مطعمة بجمل من ألحان الموسيقى العربية الشرقية بصوت قراري قوي شد اهتمام كبار الفنانين العرب لأن أحمد وهبي حمل طابعا فريدا ووضع بصمته الخاصة وزادت شهرته باسمه الفني الذي اختاره نظرا لإعجابه الكبير وحبّه تقليد الفنان محمد عبد الوهاب فأختار اسم ''وهبي'' نسبه إلى عبد الوهاب بدل دريش اللقب الأصلي، ليصنف نفسه واحد من أهم مطربي الأغنية الجزائرية الطربية وساهم في تطوير الأغنية  الوهرانية وخرج بها من المحلية نحو النجاح والعالمية. 

 غنى الفنان الراحل أحمد وهبي للحب والحياة والوطن استطاع بكل احترافية أن يوظف أغانيه في النضال الوطني من خلال رائعة ''طويل الرڤبة'' التي جاءت بملامح سياسية حاول بها بالكلمات وكذا الألحان والأداء القوي أن يلفت انتباه أولئك الذين انقسموا في كؤوس الخمر مستهترين بأوضاع البلاد وسلوكات المستعمر وكان ذلك إبان الثورة التحريرية، وقدم بعدها عشرات الأغاني الوطنية النابعة من عمق وطنيته وروحه الثورية المناضلة مع العلم أن الفنان شارك في الحرب العالمية الثانية ضمن الجبهة التونسية وهناك بتونس شكل فرقة جبهة التحرير الوطنية التي كانت تقدم الأغاني الثورية والتراثية الجزائرية من أجل تعريف العالم وتحسسيه بالقضية الجزائرية.

احد  مؤسسي الفرقة الفنية لجبهة التحرير الوطني 

وجاء سنة 1954 أيضا بقنبلة فنية أخرى تفجّرت عن كارثة زلزال مدينة الأصنام الشلف حاليا إذ عاد بأغنية ''الأصنامية'' بروعة في الأداء وصف بها تفاصيل الكارثة بريتم هادئ ومدوي في نفس الوقت وكانت تلك ميزة هذا العملاق الذي يتفجر في هدوئه وتصيب أغانيه القلوب كالأسهم التي بقدر ما تجرح تداوي فعمق صوته ودقة معانيه وطريقه أدائه لروائعه جعلت منه حديث العصر ولا يزال الحديث الذي لا ينتهي لأنه ببساطة عنوانا لوهران، هو في الواقع والخيال ثالث أسودها سهر بطريقته الفنية وبجديته ووطنيته على إحياء أصالتها وترسيخ قواعد مدرسة قائمة بذاتها سماها الأجيال المدرسة الوهبية ما زال كل غيور على الأغنية الوهرانية الأصيلة.

ثم انتقل أحمد وهبي إلى تونس و بأمر من القيادة العليا للثورة في فبراير 1958، تأسست الفرقة الفنية لجبهة التحرير الوطني التي ضمت العديد من الفنون في ميادين عدة من تمثيل وموسيقى وفق رؤية سياسية وفنية وجمالية مميزة حيث تشبع المنتسبين إليها بالوعي والنضال في كنف حركات فكرية وسياسية مثل الكشافة الاسلامية الجزائرية و جمعية العلماء المسلمين و كان وهبي احد مؤسسي هذه الفرقة التي ضمت 35 فنانا حسب الوثيقة الأرشيفية التي سلمها طه العامري  للباحثين والدارسين و ارتكز دورها الطلائعي ومهمتها الرئيسية في التعريف بمقاومة ونضال الشعب الجزائري وتراثه الثقافي العريق، وخصوصا من خلال المسرح و الفن الطربي .

كانت الانطلاقة من تونس حيث اجتمع فيها 35 عضوا من أجل تأسيس هذه الفرقة في سرية تامة و بعدها تم تكليف الفنان مصطفى كاتب برئاستها بعد أن توسعت لتشمل 52 عضوا، وقد كان أول عرض مسرحي لها بعنوان "نحو النور". 

 كانت الفرقة سفيرا للثورة وساهمت في تدويل القضية الجزائرية في المحافل الدولية عبر تنظيم عدة جولات في العالم ، وقد كان من عروضها أيضا "أبناء القصبة" و"الخالدون" وكذا "دم الأحرار".

جذور الأصالة

بعد الاستقلال استقر أحمد وهبي بمدينة وهران حيث كان يدرس الموسيقى ويقود فرقة الإذاعة مع الفنان القدير بلاوي الهواري، ولم يغادر المرحوم الباهية إلا مرتين الأولى بين 1965 و1967 نحو فرنسا ، أما الثانية فكانت بين 1969 و1971 قاصدا المغرب بعدها بقي بموطنه الأصلي وعمل في ميدان الموسيقى بالمسرح الجهوي عبد القادر علولة أنجز عدد كبير من الأغاني الرائعة منها الأغاني الاجتماعية والوطنية والعاطفية هذه التي وصف فيها مغامرات مثيرة، غنى للشاعر الشهير مصطفى بن إبراهيم، والشاعر الكبير الراحل عبد القادر الخالدي وغيرهما، لذلك جاءت كل أغانيه مفعمة بالحياة ومنكهة بروح الأصالة والكلمة الشعبية ذات المعاني والأحكام الدقيقة.

من ضمن أغانيه التي فاقت شهرتها كل التوقعات أغنية ''يا شهلة لعيون، ''سرج يا فارس اللطام'' و''ما اطول داك الليل كي طوال'' و''يامينة'' و''يا طويل الرڤبة'' و''علاش تلوموني'' التي أعادها ملك الراي الشاب خالد بطريقة إبداعية متجددة، كما أعاد عدد من الفنانين أغانيه الراسخة في العقول، وكان وهبي البذرة التي لا تزال تعطي ثمارها ولا تزال وهران تنجب خيرة الفنانين الذين اختاروا السير على درب الراحل منهم الفنان معطي الحاج، سيد أحمد قوطاي، واخرين .

رحل الأستاذ وبقيت المدرسة

وهكذا غادر الفارس تاركا خلفه إرثا فنيا ضخما وعريقا لن يمحوه الزمان من ذاكرة وهران  والجزائر كيف ذلك ولا تزال حوافز خطاه بشوارع المدينة الجديدة  و الطحطاحة ومسرح علولة ومحطة الإذاعة والتلفزيون الجزائري اللذان لا يزالان يحفظان أروع وأثمن أغانيه في أرشيفهما.

فن العملاق كان يعكس شخصيته وإنسانيته فيتحدث عنه من عرفوه أو سمعوا عنه الكثير خاصة في آخر سنوات حياته أين كان يميزه الإصرار على المواصلة حتى مع تقدمه في السن عمل دائما من أجل تثبيت أركان مدرسته، وما بقى من مقربيه صور ومشاهد لا تزال راسخة هي صورته وهو يعانق لفافة السيجارة التي لم تفارقه هي الأخرى حتى لازم الفراش . 

ويحفظ أرشيف التلفزيون الجزائري فيلما مصورا في حوار خاص أجراه أحد الصحفيين مع المطرب الراحل في آخر أيامه تكلم فيه الفنان عن مواضيع كثيرة، وقد قصص من حياته لدى الراحل العديد من الحوارات والصور والمقالات فاقت 600 صورة ومقال، ويجدر الذكر أن المرحوم شغل عدة مناصب منها الأمين العام للإتحاد الوطني للفنانين الجزائريين مواصلا مسيرته في التلحين والغناء إلى أن أصيب بمرض عضال ألزمه الفراش ووافته المنية يوم 28أكتوبر 1993 ووري الثرى بمقبرة سيدي يحيى ببئر مراد رايس بالجزائر العاصمة.

 كان رحيله فاجعة كبرى بفقدان أحد روائع الطرب الوهراني  هرم من أهرامات الفن الأصيل على الإطلاق. فوهبي المدرسة في كل أغنية من أغانيه درس تكويني في قواعد الموسيقى والأداء والتربية الفنية وكل تفاصيل الطرب الملتزم والهادئ، فصاحب الصوت القراري هذا لن يتكرر أبدا لأن ما حمله من ميزات فنية استدعت التحليل والدراسة وكانت النتائج ألا أحد بعد وهبي كما أن لا أحد قبله وكل المحاولات لن تصل إلى مستواه وقوته وإن تميزت وتألقت ولا ننكر أن هناك أصوات رائعة تحذو خطى الراحل طاقات بعض تفاصيله ومواصفاته، ولكن كل السر كان في الصوت والأداء. فسلام على روحك يا كروان  وهران ، سيعيش صوتك و فنك للأبد لأن الجيل سيحمي الإرث الذي تركته أنت و من كان معك في نفس فترتك و من جاء من بعدك لن تبرح وهران أبدا لأن مدرستك ستعيش مع أصوات تنطلق من الجزائر لترفف عاليا في سماء الأغنية الوهرانية.

ليست هناك تعليقات

يتم التشغيل بواسطة Blogger.